مقاتل ابن عطية
618
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
مرتبط باختيارهم فعل الطاعة وترك المعصية ، فهم قادرون على فعل المعصية ولكنهم لا يفعلونها لعلمهم بعواقب المعاصي وآثارها السلبية ولأن ترك المعصية محبوب لدى المولى سبحانه . قد يقال : كيف حصلوا على هذا العلم ؟ والجواب : إن حصولهم عليه موهوبي من عند علّام الغيوب لعلمه سبحانه أنهم لن يعصوه في الدنيا ، فالمسألة مرتبطة بعلم اللّه الأزلي الذي لا يمكن أن يحده شيء على الإطلاق . فسبق الإرادة التكوينية على أفعال العباد لا يستلزم سلب الاختيار عنهم ، لأن إرادته سبحانه إنما تتعلق بتوسط إرادة العبيد واختيارهم ، فهم إذا أرادوا لأنفسهم شيئا فاللّه سبحانه يريد ذلك الشيء لهم تكوينا . ومعنى إرادته التكوينية بإذهاب الرجس هو أن اللّه تعالى عصمهم عن الذنوب والخطايا والغفلة والسهو والنسيان وكل ما ينفر عن قبول الدعوة ، والعصمة كما هو معلوم عبارة عن علم يقيني حباه اللّه تعالى لمن علم منه الطاعة والامتثال ، وهي بهذا المعنى لا تسلب صاحبها عن الاختيار ، بل يبقى قادرا على الفعل أو الترك ، ويختار الطاعة على المعصية بإرادته واختياره ، ومثال على ذلك : قدرة اللّه تعالى على كل مقدور ومنه قدرته على فعل القبائح كقدرته على فعل الحسن ، غير أنه لا يصدر منه القبيح قط في زمن من الأزمان لأن « الصارف عن فعل القبيح موجود والداعي مفقود ، وكلّما وجد الصارف وانتفى الداعي امتنع الفعل » « 1 » . ولأجل أنه عزّ وجلّ لا يفعل القبيح نرى عمومية قدرته لكل شيء ، ومع هذا فإنه عزّ وجلّ لا يصدر منه القبيح ، إذ لو لم يقدر على القبيح لما صح قولنا : إنه على كل شيء قدير .
--> ( 1 ) انظر كتابنا : الفوائد البهية ج 1 / 310 .